مجد الدين ابن الأثير
26
المرصع في الآباء والأمّهات والأبناء والبنات والأذواء والذّوات
أكنّيه حين أناديه لأكرمه * ولا ألقّبه والسّوءة اللّقبا / وهذا مختص بالإنسان دون غيره وهو الأصل . ولقد بلغني أن أصل سبب الكنى في العرب كان : أن ملكا من ملوكهم الأول ولد له ولد توسّم فيه أمارات النجابة فشغف به ، فلما نشأ وترعرع وصلح لأن يؤدّب أدب الملوك ، أحبّ أن يفرد له موضعا بعيدا من العمارة يكون فيه مقيما يتخلق أخلاق مؤدبيه ، ولا يعاشر من يضيع عليه بعض زمانه ، فبنى له في البرية منزلا ونقله إليه ، ورتّب له من يؤدبه بأنواع الآداب العملية الملكية ، وأقام له ما يحتاج من أمر دنياه ، ثم أضاف إليه من هو من أقرانه وأضرابه من أولاد بني عمّه وأمرائه ، ليؤنسوه ويتأدبوا بآدابه ، ويحببوا إليه الأدب بموافقتهم له عليه . وكان الملك على رأس كل سنة يمضي إلى ولده ويستصحب معه من أصحابه من له عند ولده ولد ليبصروا أولادهم ، فكانوا إذا وصلوا إليهم سأل ابن الملك عن أولئك الذين جاءوا مع أبيه ليعرفهم بأعيانهم ، فيقال له : هذا أبو فلان ، وهذا أبو فلان يعنون آباء الصبيان الذين هم عندهم ، فكان يعرفهم بإضافتهم إلى أبنائهم ، فمن هنالك ظهرت الكنى في العرب ، ثم انتشرت واتسعت ، حتى صاروا يكنون كل إنسان باسم ابنه . فصل [ أصل الكنية أن تكون بالأولاد الذين ولدوهم ] لما كان أصل الكنية أن تكون بالأولاد ، تعين أن يكون بالذين ولدوهم كأبي الحسن في كنية علي بن أبي طالب ، كرّم اللّه وجهه . فمن لم يكن له ابن وكان له بنت كنوه بها كما قيل لمسروق بن الأجدع « 2 » : أبو عائشة . ومن لم يكن له
--> ( 2 ) هو مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني الوادعي ، أبو عائشة ( توفي 63 ه / 683 م ) من أهل اليمن ، تابعي . قدم المدينة في أيام الخليفة أبي بكر الصديق . وسكن الكوفة . وشهد حروب عليّ بن أبي طالب ( أخباره في تهذيب التهذيب 10 : 108 والإكليل للهمداني 10 : 70 والإصابة ت 8406 ) .